وقف الرئيس الأمريكي جورج بوش الخميس الماضي متحدثا أمام الكنيست الإسرائيلي، بمناسبة مرور 60 عاما على قيام دولة إسرائيل، وهي في حد ذاتها الذكرى الأليمة لمرور 60 عاما على النكبة، وادعى الكثيرون أن بوش كان متحيزا لإسرائيل من خلال حديثه الذي بدت عليه النزعة الدينية، وكأن المتحدث قسّ راهب لا رئيس سياسي، مما دعا سيلفان شالوم عضو الكنيست ووزير الخارجية الأسبق لأن يقول عن بوش: "إنه أكثر صهيونية من وزراء عدة يجلسون في حكومة إسرائيل" هكذا أشاد. بوش الجد:والحديث عن بوش الابن لابد أن يرتبط بهذه العائلة "آل بوش"؛ حيث إن هذه العائلة ذات توجه ديني يحمل في طياته كمية كبيرة من الحقد والكراهية للمسلمين، ويوضح الدكتور عبد الغني عماد في مقال له على موقع جريدة الشرق العربي مدى هذا الحقد المتوارث فيقول: "يمكن لهذا الجيل أن يتذكر جورج بوش الأب والابن وإنجازاتهما "الحضارية" في قتل المدنيين العُزّل لسنوات طويلة. لكن قلة من يعرفون تاريخ هذه العائلة وإنجازاتها وسيرتها في جمع الثروة والعداء للعرب والمسلمين؛ فالجد الأكبر لهذه العائلة كان يُدعى أيضا "جورج بوش" وقد عاش بين عامي 1796 – 1859م وله سلسلة من الكتب وضع فيها أشنع ما يمكن أن يكتب عن العرب والمسلمين والنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الولايات المتحدة" [1]. وينقل الدكتور عبد الغني عماد من كلام الأستاذ منير العكش في كتابه الجديد "أمريكا والإبادات الجماعية" ما يزيد الأمر وضوحا فيقول: "هذا الجد الأكبر الذي أصدر كتابًا حاقدًا مليئًا بالكراهية عن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم عام 1831م والكتاب محفوظ في مكتبة الكونجرس، وله أيضا عدة كتب في شروح أسفار العهد القديم، ويعتبر كتابه "وادي الرؤى إحياء رميم إسرائيل - Valley of vision: the daybones of israel" من أبرز ما كتب في ذلك الحين في إطار المسيحية الصهيونية الداعية إلى ضرورة العمل من أجل تجميع يهود العالم في فلسطين، وتدمير إمبراطورية "السارازن". والسارازن هو الاسم الذي يطلقه الصليبيون وأوروبيو القرون الوسطى على العرب والمسلمين، وكان الرومان يطلقونه على بعض رعاياهم تحقيرًا [2].بوش الأب:بوش الأب 1984-1992م. وقد كان من كلام بوش الأب في حفل تنصيبه كرئيس لأمريكا رقم 41 أن قال: "أول عمل سأقوم به كرئيس هو الصلاة، أنا أطلب منكم الانحناء، سبحان الله، نحن نحني رءوسنا لنشكرك على محبتك، تقبل شكرنا على السلام الذي يحل اليوم، وعلى إيماننا الذي يجعل استمراره محتملا ليجعلنا أكثر قوة للقيام بعملك، قادرين على الاهتمام والاستماع إلى إرادتك، واكتب على قلوبنا هذه الكلمات، استخدم السلطة لإعانة الشعب فنحن لا نُمنح القوة لتغليب مصالحنا الخاصة، ولا للاستعراض أمام العالم ولا للتباهي هناك، استخدام واحد للقوة هو خدمة الشعب، ساعدنا يا رب على تذكر ذلك، آمين".ومن الأمثلة على تأثير الأصولية الإنجيلية في ولاية بوش الأب: قيامها بإعداد أول مشروع إصلاح اقتصادي في العهد الأول لرئاسة الرئيس ريجان، فقد صدر هذا المشروع عن لجنة مكونة من خمسة رجال دين، ولا يغيب عنا أن نذكر كذلك حرص بوش الأب على قضاء ليلة ما قبل الحرب مع العراق عام 1991م مع هذا القسّ الإنجيلي بيلي جراهام، هو محاولة لإقناع الرأي العام الأمريكي أنه -أي بوش- أحد رجال الله.بوش الابن خطا خطوات لم يُسبق إليها:أما بوش الابن، والذي تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2001م، ليتولى فترة ثانية في عام 2005م، ولتستمر حتى الآن، فيُعد من أكثر الرؤساء الأمريكان الذين يمثلون فكر الحركة الأصولية الإنجيلية إيمانًا وعملا.وكان الرئيس الأمريكي مدمنا للخمر، ولما تزوج بزوجته لورا عام 1977م انضم إلى كنيستها المشيخية، وبات على معظم الأصعدة مثل والده عضوا محترما في الطائفة، لكنه كان يعاقر الخمر أيضا وبكثرة إلا أنه تعهد على نفسه الشرب بعد ساعات العمل وفي الليل، وقد أدخلت ولادة ابنتيه التوأمين السعادة إلى حياته سنة 1982م، لكن الأصدقاء يقولون: "إن صبر لورا بدأ ينفد بسبب عاداته في الشرب"، وبحلول عام 1985م ولما دنا من الـ 40 احتاج إلى إصلاح علاقته بالجنس اللطيف الموجود في حياته، ويقول إيفانز: "لم يكن قد انكسر شيء، لكنه أراد أن يحسِّن الأمور، بشكل عام كان عليه أن يمتنع عن معاقرة الكحول".وحين انتقل بوش إلى واشنطن عام 1987م للمساعدة في إدارة حملة والده، اقتنص الفرصة الرئيسية؛ إذ تولى منصب ضابط الاتصال مع اليمين الديني، وسرعان ما اكتشف أن بوسعه التكلم بلهجتهم، فضلا عن متابعة المسيرة، ويتذكر دوغ ويد الذي عمل معه في حملات استقطاب الإنجيليين قائلا: "لم يكن والده يرتاح في التعامل مع رجال الدين"، لكن جورج كان يعرف بالضبط ما الذي ينبغي قوله وفعله؛ لذا قام هو وويد بتعريف كبار المسئولين عن الحملة الانتخابية بطرق جديدة كثيرة لاستقطاب الناخبين، فكان ويد يمرر جملا من الإنجيل في خطب بوش الأب، وكان بوش الابن يفضل عادة المقاربة المباشرة، حتى إنه أراد إظهار بيلي جراهام في أحد الأفلام المصورة الانتخابية، لكن والده عارض الفكرة.أما الحملة الرئاسية الأولى للرئيس بوش الابن عام 1999م فقد جمع بوش كبار القساوسة في قصره لينال بركتهم، وأخبرهم بأنه تمت دعوته لينشد منصبا أرفع.وفي الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري أحبط كل المناورات بممارسة ما سماه أحد منافسيه غاري باور: "سياسة الهويات" وحاول آخرون ملاطفة الإنجيليين عبر التعهد بمواقف حازمة حول مسائل مثل: الإجهاض، وحقوق المثليين جنسيا، ويقول باور: "تحدث بوش عن إيمانه فصدقه الناس وآمنوا به، واعتبر الناخبون العلمانيون بشكل منطقي أن ابن بوش الأول معتدل في العمق من دون أدنى شك".وفجأة تحول عبء الأب إلى هدية؛ إذ بات بإمكان بوش الثاني أن يتودد إليهم، من دون أن يهدد الآخرين.ولما وصل بوش إلى البيت الأبيض استطاع أن يحول أجواء البيت الأبيض إلى أجواء دينية وحوارات دينية، يقول العاملون في البيت الأبيض: "إن الأجواء المخيمة على القصر الرئاسي تتسم بجو من الصلاة، ولطالما كانت مجموعات دراسة الكتاب المقدس موجودة في البيت الأبيض، فحتى آل كلينتون كانت لديهم واحدة، لكن هذه المجموعات باتت اليوم في كل مكان".ومن المعروف أن الرئيس يرحب بالأسئلة عن الإيمان التي يجرؤ بعض الموظفين أحيانا على تشاطرها معه.وبات من المعلوم أن برنامج بوش في معظم الأيام يستيقظ قبل انبلاج الفجر حين تكون أعلى الأصوات خارج البيت الأبيض مجرد هدير مضجر لطائرات "إف 16" وهي تجوب السماء في البعيد، وحتى قبل أن يجلب لزوجته لورا فنجان القهوة الصباحية ينزوي في مكان هادئ للقراءة، أما النص الذي يقرؤه فليس ملخصا إخباريا أو برقيات استخباراتية أرسلت خلال الليل فهذه النصوص سيقرؤها فيما بعد في المكتب البيضاوي، كما أنه لا يقرأ كتابا ترفيهيا (كان أخيرا يقرأ سيرة حياة ساندي كوفاكس)، لكن بدلا من ذلك، أخبر أصدقاءه أنه كتاب عظات إنجيليـة قصيرة MY UTMOST.FOR HIS HIGHEST "أعظم ما يمكنني لأعظم العظماء" مؤلف الكتاب "أوزوالد تشيمبرز".وفي ظل الظروف الراهنة تبدو أصداؤه التاريخية رنانة للغاية، وتشيمبرز منصر معمداني جوّال، من أسكتلندا مات في نوفمبر عام 1917م، فيما كان ينشر تعاليم الإنجيل في صفوف الجنود الأستراليين والنيوزيلنديين المحتشدين في مصر [3].